عبد الكريم الخطيب

423

التفسير القرآنى للقرآن

ونعود إلى « الإسراء » فنقول - كما قلنا من قبل - إنه كان شأنا خاصّا بالنبيّ ، ورحلة روحيّة في الملأ الأعلى ، أرادها اللّه سبحانه وتعالى له ، ليشرح بها صدره ، وينعش بها روحه ، ويذهب بها ما ألمّ به من ضيق وحزن ، بموت عمّه ، وزوجه ، وبتألّب قريش عليه ، وعلى آله ، وبما لقى من أهل الطائف من لقاء بارد ثقيل ، وردّ سمج قبيح . وفي حدود هذا المعنى ينبغي أن نقيم نظرتنا إلى الإسراء . . فهو بهذا المعنى ، ليس معجزة للتحدّى ، تقف من الناس موقف التعجيز لهم ، والتحدّى بالإتيان بمثلها ، وإنما هي إخبار بأمر شهده الرسول وحده . . فإذا حدّث به كان حديثه الصدق كلّه ، لا ينبغي لمن آمن بأنه نبىّ أن يكذّبه ، أو يشك في شئ مما يقول . . إنه أمين السّماء . . لا يكذب أبدا . . هذا مبدأ يجب أن يسلم به كل من يدخل في هذا الدين ، ويؤمن باللّه ورسوله . . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ( 7 : الحشر ) . إن حديث الإسراء اختبار عملىّ لإيمان المؤمنين . . فمن آمن باللّه ، لا يكون إيمانه إيمانا حقّا ، حتى يؤمن برسوله ، ولا يكون مؤمنا برسوله حتى يصدّق كل قول يقوله ، ويسلّم به ، قبل أن ينظر فيه ، أو يعرضه على عقله . . وإن كان ذلك لا يمنعه من أن ينظر بعد هذا في قول الرسول ، وأن يعرضه على عقله فذاك نظر غايته الفهم والإدراك لمرامى قول الرسول والعمل به . . فهذه آيات اللّه التي كانت تنزل على الرسول الكريم ، إنها لم يقم عليها شاهد بأنها كلام اللّه ، إلّا إيمان المؤمنين به ، بأنه رسول من عند اللّه ، وإن كان في آيات اللّه ذاتها ما يحدث عن إعجازها ، وأنها ليست من قول بشر . . ولكن هذا لا يعرف إلا بعد نظر في وجه آيات القرآن ، واستعراض ما فيها من قوى الحق ، وشواهد الإعجاز !